محمد هادي معرفة
629
التمهيد في علوم القرآن
الجاري مجرى القسم ، ما ورد الفعل بلفظ الماضي ، على أنّ الكوثر لم يتناول عطاء العاجلة ، دون عطاء الآجلة ، دلالة على أنّ المتوقّع من سيب « 1 » الكريم في حكم الواقع ، والمترقّب من نعمائه بمنزلة الثابت الناقع . وجاء بالكوثر محذوف الموصوف ، لأنّ المثبت ليس فيه ما في المحذوف ، من فرط الإبهام والشياع ، والتناول على طريق الاتّساع ، واختار الصفة المؤذنة بافراط الكثرة ، المترجمة عن المعطيات الدثرة ، ثمّ بهذه الصفة ، مصدّرة باللام المعرفة ، لتكون لما يوصف بها شاملة ، وفي إعطاء معنى الكثرة كاملة . وعقّب ذلك بفاء التعقيب ، مستعارة لمعنى التسبيب ، يشتقّها معنيان ، صحّ تسبيب الإنعام بالعطاء الأكثر ، للقيام بما يضاهيه من الشكر الأوفر ، وتسليمه لترك المبالاة بقول ابن وائل ، وامتثال قول اللّه عزّ من قائل ، وقصد باللامين « 2 » التعريف بدين العاص وأشباهه ، ممّن كانت عبادته ونحره لغير إلهه ، وتثبيت قدمي رسول اللّه على صراطه المستقيم ، وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم ، وأشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات ، وصنفي الطاعات ، أعني الأعمال البدنية التي الصلاة إمامها ، والمالية التي نحر البدن سنامها ، ونبّه على ما لرسول اللّه من الاختصاص بالصلاة التي جعلت لعينه قرّة « 3 » ، وبنحر البدن التي كانت همّته بها المشمخرّة . روينا بالإسناد الصحيح أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة « 4 » من ذهب « 5 » .
--> ( 1 ) السيب : العطاء . ( 2 ) أي : بلام « لربك » ، واللام المحذوفة في قوله « وانحر » أي : وانحر له ، كما سيصرّح بذلك . ( 3 ) إشارة إلى قوله صلّى اللّه عليه وآله : حبّب إليّ من الدنيا ثلاث : النساء ، والطيب ، وجعل قرّة عيني في الصلاة . « الخصال : 165 / 217 و 218 » . ( 4 ) البرّة : حلقة تجعل في لحم الأنف ، وربّما كانت من شعر . ( 5 ) أخرجه البيهقي في سننه 5 : 230 .